الشيخ محمد الصادقي

387

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

14 - وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ جمع الشدّ ، وأقله ثلاثة : عقلا وجسما ورشدا وَاسْتَوى على سوقه آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً بنبوءه دون رسالة إذ كانت رسالته بعد رجوعه عن مدين : " فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ " ( 26 : 21 ) وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ مما يدل على أن " حُكْماً وَعِلْماً " بدرجاتهما من مخلّفات الإحسان بدرجاته ، فهما - إذا - حكم وعلم قبل الرسالة ظرفا لها ظريفا طريفا . 15 - عند بلوغ أشده خرج من القصر الفرعوني لحمله " حُكْماً وَعِلْماً " يبعثانه للدعوة وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها لكيلا لا يعرف فراره عن القصر وقد كان ملاحقا فَوَجَدَ فِيها لمرحلة أولى من ظروف الحكم والعلم رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ في حكمه وعلمه ، إسرائيليا وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ قبطيا فرعونيا فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي هو مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي هو مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ ضربا بجميع كفه مُوسى فَقَضى بوكزه عَلَيْهِ قتلا دون تقصّد ، وعلى الجملة كان وكزا دفاعيا فرضا عليه كمدافع عن مؤمن قالَ هذا العدو والاقتتال ومن ثم قتله دون تقصّد ، هو مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ تأخيرا لرسالتي الرسمية إِنَّهُ عَدُوٌّ للمؤمن مُضِلٌّ إياه عن المضي في دعوته مُبِينٌ إضلاله وقد أبانه هنا بالقتال والانقتال . 16 - قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي انتقاصا لدعوتي بذلك الوكز الركز ، إذ أخر رسالتي مهما كان دفاعا واجبا ، وهنا " نَفْسِي " دون " غيري " مما يذود عنه وصمة الظلم بالغير ، وإنما " نَفْسِي " دون تقصد فَاغْفِرْ لِي سترا عن أن يقتلوني فَغَفَرَ لَهُ مهما تأخرت رسالته إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ في غفره بمن يستغفره بشروطه ، والغفر كان عاجلا في الذب عن قتله آجلا لبداية رسالته : " ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى " ( 20 : 40 ) فحتى لو كان هناك رسولا لم يكن قتله عصيانا ، فضلا عما قبل رسالته . 17 - قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ " حُكْماً وَعِلْماً " وأن غفرت لي ففررت فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ تركا لدفاع عن المؤمنين وقد دافعت ولكن حصل ما حصل ، فليس الخطأ في ذلك القتل مما يمنعني عن دفاع عن أنفس المؤمنين ، دفاعا في سبيل الدين ، علّه يؤخرني قفزا عن رسالتي وقد أخّرت به ، فقد كان سكوته عن ذلك الدفاع المفروض عليه إعانة للمجرم المقاتل . 18 - فَأَصْبَحَ فِي هذه الْمَدِينَةِ خائِفاً عن فرعون أن يلاحقه يَتَرَقَّبُ نصرا من اللّه فَإِذَا فجأة الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ اليوم استنصارا ثانيا لمقاتلة ثانية قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ رغم كونك من شيعتي لَغَوِيٌّ مُبِينٌ غوايته ، إذ لمّا يحق حين المقاتلة والدفاع ، كما في العهد المكي المحمدي صلى اللّه عليه وآله . 19 - فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ دفاعا بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ ذلك العدو يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ ما يدل على شيوع الخبر في المدينة إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ كما تدعيه . 20 - وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ حال كونه يَسْعى إلى موسى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ الفرعوني يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ . 21 - فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً من ملاحقته يَتَرَقَّبُ الفرج من ربه قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ مما يدل على أن قتله قصاصا ظلم إذ لم يكن لدم الكافر المهاجم قصاص .